محمد جمال الدين القاسمي

353

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ على الإيمان والطاعة . وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ قائلين خُذُوا ما آتَيْناكُمْ أي ما أمرتم به في التوراة بِقُوَّةٍ بجد وَاسْمَعُوا أطيعوا قالُوا سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك . وظاهر السوق يقتضي أنهم قالوا ذلك حقيقة . قال أبو مسلم : وجائز أن يكون المعنى : سمعوه فتلقوه بالعصيان . فعبّر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه : كقوله تعالى أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] . وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي حبّه على حذف المضاف . وإقامة المضاف مقامه للمبالغة . أو العجل مجاز عن صورته . فلا يحتاج إلى حذف المضاف . وعلى كلّ ، فأشربوا استعارة تبعية . إما من إشراب الثوب الصبغ - أي تداخله فيه - أو من إشراب الماء - أي تداخله أعماق البدن - والجامع السراية في كل جزء . وإسناد الفعل إليهم إيهام لمكان الإشراب . ثم بيّن بقوله فِي قُلُوبِهِمُ للمبالغة ، فظهر وجه العدول عن مقتضى الظاهر وهو : وأشرب قلوبهم العجل . بِكُفْرِهِمْ بسبب كفرهم قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي كما زعمتم ، بالتوراة . وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما في قصة شعيب أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ [ هود : 87 ] وكذا إضافة الإيمان إليهم . وقوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قدح في صحة دعواهم . فإن الإيمان إنما يأمر بعباده الله وحده لا بشركة العبادة لما هو في غاية البلادة . فهو غاية الاستهزاء . وحاصل الكلام : إن كنتم مؤمنين بها عاملين ، فيما ذكر من القول والعمل ، بما فيها ، فبئسما يأمركم به إيمانكم بها . وإذ لا يسوغ الإيمان بها مثل تلك القبائح فلستم بمؤمنين بها قطعا . فجواب الشرط محذوف ، كما ترى ، لدلالة ما سبق عليه . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 94 ] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) قُلْ كرر الأمر بتبكيتهم لإظهار نوع آخر من أباطيلهم . وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس . لكنه لم يحك عنهم قبل الأمر بإبطاله ، بل اكتفى بالإشارة إليه في تضاعيف الكلام بقوله إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً نصب على الحال من الدار الآخرة . والمراد الجنة . أي سالمة لكم ، خاصة بكم ، ليس لأحد سواكم فيها حق كما تقولون لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً